دروس وعبر من الهجرة المباركة
الهجرة المباركة حدث فارق في التاريخ الإسلامي ونقطة تحول في مسيرة الدعوة الإسلامية ولذلك اختارها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتكون بداية التأريخ لمسيرة المسلمين في هذه الحياة.
والهجرة المباركة نقلت المسلمين من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة القوة والتمكين في الأرض وإنشاء الدولة الإسلامية في المدينة ودعوة الناس جميعاً إلى الإسلام وحماية المستضعفين في كل مكان وتخليصهم من ظلم الجبابرة والمتكبرين في الأرض وتقرير حق الإنسان في حرية الاعتقاد وإرساء دعائم القيم التي جاء بها الإسلام رحمة للإنسانية كالعدل والمساواة بين الناس.
وفي الهجرة النبوية المباركة – كما في السيرة إجمالًا – الكثير من الدورس والعبر للمتأملين وللمعتبرين بأحداث التاريخ ففيها دروس للساسة وللعسكريين وفيها دروس للدعاة والمصلحين وفيها دروس للآباء والأمهات وفيها دروس للمعلمين ودروس للشباب.
والقصص القرآني والسيرة النبوية وقصص التاريخ عمومًا ليست حكايات للتسلية وإثارة المشاعر في بعض المناسبات وإنما هي قصص لاستخلاص العبر والدروس والانطلاق نحو المعالي على هديها يقول الله عز وجل:{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. سورة يوسف: 111.
والمسلمون اليوم في أمس الحاجة إلى استلهام ولو درس واحد من دروس الهجرة المباركة حتى يتمكنوا من استعادة نهضتهم وعزتهم التي فقدوها نتيجة بعدهم عن المنهج الرباني الذي جاء ليصلح للناس شؤون حياتهم ويحقق لهم السعادة في الدنيا والآخرة. فقد هجر الكثير من المسلمين كتاب الله عز وجل وأعرضوا عن تدبر آياته وهجروا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتركوا الاقتداء به في كل الأمور مع أنهم مأمورين بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه يقول الله عز وجل:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} سورة الحشر: 7.
ومن دروس الهجرة المباركة للمصلحين في كل زمان ومكان عدم اليأس من التغيير والدعوة للإصلاح فإن واجهت دعاة الإصلاح عقبات تعطل المسيرة وتقف أمام تبليغ الرسالة وتؤخر إلى حين تحقيق ما يصبون إليه من إصلاح في أي مجال من المجالات حاولوا في مكان آخر ومع أناس آخرين فربما كتب لمحاولاتهم النجاح وتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة وانطلاقها للعالمية يعطي المثل والأمل لكل المصلحين في أن دعوتهم ستثمر حتماً في يوم من الأيام.
ومن دروس الهجرة المباركة الصبر والاصرار على المبدأ والثبات على الحق مهما تعرض صاحبه للتشكيك والاستهزاء والايذاء النفسي والبدني يقول الله عز وجل لنبيه:{ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}.
ومن دروس الهجرة المباركة التضحية بالنفس وبالمال في سبيل الله عز وجل وفي سبيل الدعوة وهو ما فرط فيه المسلمون اليوم عندما بخلوا بأموالهم وضنوا بأنفسهم عن نصرة إخوانهم المستضعفين وعن نصرة الإسلام والدعوة إليه يقول الله عز وجل:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. سورة الأنفال: 72.
والرسول صلى الله عليه وسلم ضرب لنا أروع الأمثلة في الصبر والتضحية فقد ضحى بنفسه وضحى بماله وتعرض لصنوف من لأذى في سبيل تبليغ الدعوة للناس جميعاً. والخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه ضحى بأمواله وأنفقها كلها في سبيل الله عز وجل فعَن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عَنْ أبيهِ قالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الْخطَّابِ يقُولُ:« أمَرَنَا رسُولُ اللّهِ أنْ نَتَصَدَّقُ وَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالاً فَقُلْتُ اليَوْمَ أسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إنْ سَبَقْتُهُ يَوْماً، قالَ فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي فقالَ رَسُولُ اللّهِ مَا أَبْقْيْتَ لأهْلِكَ؟ قُلْتُ مِثْلَهُ، وَأَتى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فقالَ: يا أبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لأهْلِكَ؟ فقالَ أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ والله لاَ أَسْبِقُهُ إِلى شَيْءٍ أَبَداً». سنن الترمذي: 3829.
فما أعظمه من يقين وثقة في الله تعالى. ولم يكتف أبو بكر الصديق رضي الله عنه بذلك وإنما جند أفراد أسرته في خدمة الدعوة ونصرة الإسلام. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه علمنا درساً في الشجاعة ودرساً في فن التضحية والفداء وذلك عندما ضحى بنفسه وعرضها للقتل فقد نام في فراش الرسول ليلة الهجرة وافتداه بنفسه وهو يعلم أن سيوف المشركين تتأهب لتنال من دم النائم في الفراش.
والمهة الأخرى التي قام بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي أداء الأمانات لأصحابها وذلك على الرغم من إيذائهم للرسول صلى الله عليه وسلم وتآمرهم على قتله وإيذائهم للمسلمين والاستيلاء على أموالهم وإخراجهم من ديارهم وفي ذلك درس بليغ في تعامل المسلم مع غير المسلمين وهو القيام بأمر الله عز وجل والتحلي بالقيم والأخلاق الفاضلة وعدم المعاملة بالمثل في الأمور التي نهى الله عز وجل عنها أو تلك التي تنتهك حقوق الإنسان.
وفي أداء الأمانة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:« أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَـى مَنْ ائْتَـمَنَكَ، وَلاَ تَـخُنْ مَنْ خَانَكَ». البيان والتعريف: 84.
والجاليات المسلمة في العالم بحاجة إلى تعلم هذا الدرس وأن تكون تعاملاتهم مع غير المسلمين متفقة مع ما جاء به الإسلام من مبادئ وقيم وأخلاق فلا كذب ولا غش ولا خداع ولا خيانة للأمانة ولا تعامل بالربا المحرم ولا بيع للمحرمات كالخمر ولحوم الخنزير ولا أكل لأموالهم بالباطل.
ومن دروس الهجرة المباركة الثقة بالله عز وجل والتصديق بوعده وأن الله سبحانه وتعالى ناصر عباده المؤمنين يقول الله عز وجل:{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. سورة التوبة: 40.
ومن تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم بموعود الله عز وجل في النصر والتمكين قوله وهو الفار بدعوته والمطارد من قومه لسراقة بن مالك رضي الله عنه:”ارجع ولك سواري كسرى”. وقد تحققت بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لسراقة بن مالك في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فهل نثق نحن في وعد الله عز وجل ونؤمن بنصره؟
والمتأمل في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة يلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ بجميع الأسباب في الهجرة ولم يترك شيئاً للصدفة وعندما تعطلت الأسباب الظاهرة كان اليقين والثقة بوعد الله عز وجل وبنصره حاضرًا وبقوة فعن أنسٌ رضي الله عنه قال:« حدَّثني أبو بكر رضيَ اللهُ عنه قال: كنتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيتُ آثارَ المشركين قلتُ يا رسولَ اللَّهِ لو أنَّ أحدَهم رفعَ قدَمَهُ رآنا قال: ما ظنُّكَ باثنينِ اللَّهُ ثالثهما». صحيح البخاري: 4545.
ومن الأمور التي ميزت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة التخطيط الجيد للهجرة قبل أن تبدأ والتخطيط وبدقة لكل مرحلة من مراحلها فكتب لها النجاح بتوفيق من الله عز وجل. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه بتجهيز راحلتين ودفع ثمن راحلته وفي ذلك درس نتعلمه وهو ضرورة أن يعد المسلم لكل أمر عدته لكي يُكتب له النجاح.
والنبي صلى الله عليه وسلم اختار رفيقه في هذه الرحلة وهو أبي بكر الصديق رضي الله عنه في إشارة واضحة إلى أهمية الصحبة الصالحة في كل الأمور.
والنبي صلى الله عليه وسلم أعطانا درسًا في أهمية الاستعانة بأصحاب الخبرة في كل مجال فقد اختار دليلاً يدله على الطريق الذي سيسلكه في الهجرة وهو عبد الله أريقط، واختار من يأتيه بأخبار قريش ومن يقوم بإخفاء الأثر فعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما كان له دوره في هذه الهجرة المباركة وهو نقل أخبار قريش وتحركاتها للرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الغار.
وعامر بن فهيرة قام بمهمة إخفاء أثر الرسول صلى الله عليه وسلم وأثر صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه حتى يعمي على قريش في بحثها عنهما.
والنبي صلى الله عليه وسلم استعان بالكتمان لانجاح المهمة التي يريدها فأخفى موعد الهجرة ووجهتها حتى عن أقرب الناس إليه ولم يُعلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه بموعد الهجرة إلا في اللحظات الأخيرة، فقد قصد داره عند الظهيرة وهو متلثم ولم يخبره بخبر الهجرة إلا منفردًا وخرجا ليلًا وأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن ينام على فراشه. والدرس الذي ينبغي أن يتعلمه الجميع أفرادًا ومسؤولين هو الاستعانة بالكتمان في قضاء الحوائج.
والنبي صلى الله عليه وسلم استخدم ما يعرف اليوم بـ “المناورة” في طريق الهجرة فقد سلك طريقًا غير الطريق المعتادة واختبأ في الغار حتى ييأس القوم من طلبه ويكفوا عن البحث عنه.
والتخطيط الجيد في كل الأمور درس هام نتعلمه من الهجرة المباركة لأن الكثير من المشكلات والأزمات التي تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم سببها الأساسي هو سوء التخطيط أو غيابه بالكلية والتعامل مع المستجدات والحالات الطارئة بعشوائية تزيد الأمور تعقيدًا.
ومن دروس الهجرة المباركة التوكل على الله عز وجل مع الأخذ بالأسباب والأخذ بالأسباب لا يتنافى مع التوكل على الله وهو ما علمنا إياه الرسول صلى الله عليه وسلم فعَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:« لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً». سنن الترمذي: 2382.
ولكن المسلمين اليوم انقسموا إلى فريقين: أحدهما معتمد اعتمادًا كليًا على الأسباب ونسي أن هناك من هو فوق كل الأسباب وهو الله عز وجل، والآخر ترك الأخذ بالأسباب وزعم انه متوكل على الله عز وجل وهؤلاء هم المتواكلون وقد أدرك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطورة هذه الفئة على المجتمع المسلم فعندما وجد جماعة من الناس وقد جلسوا في المسجد وتفرغوا للعبادة علاهم بالدرة وقال لهم:”إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة” في إشارة واضحة إلى ضرورة الأخذ بالأسباب.
ولا شك أن كلا الفريقين – المعتمدين على الأسباب والمتواكلين – على خطأ، فالمسلم مأمور بأن يأخذ بالأسباب التي أودعها الله عز وجل في الكون ومأمور كذلك بأن يتوكل على الله عز وجل في كل الأمور.
ومن دروس الهجرة المباركة نأخذ دور المرأة وتضحيتها في سبيل الدعوة وذلك من خلال مواقف السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما فقد وقفت في وجه الطاغية أبي جهل وهي تعلم من هو في شدته وغلظته وكانت تحمل الطعام وتصعد به الجبل لتوصله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أبيها وهما في الغار وهي في الأشهر الأخيرة من الحمل. هذا ما قامت به امرأة مسلمة نصرة للرسول صلى الله عليه وسلم وللإسلام فماذا قدم ملايين الرجال من المسلمين دفاعًا عن دينهم وعن عقيدتهم ومقدساتهم؟!!!
وبعد الدروس التي عرضنا جانبًا منها نأتي الى السؤال المهم في حياة كل مسلم وهو: هذه هي مواقف وتضحيات المسلمين الأوائل من أجل نشر الدعوة وتبليغ الرسالة فماذا قدمت للإسلام؟ ونحن نريد من كل مسلم إجابة عملية على هذا السؤال فكل مسلم مطالب بأن يصلح نفسه وأهله ومطالب بأن يدعو غيره وألا يكون سببًا في تأخير النصر عن المسلمين بما يرتكبه من معاصي وذنوب.
وأقل ما يمكن أن يفعله المسلم هو أن يكف شره وأذاه عن المسلمين وعن غير المسلمين وأن يهجر ما نهى الله عنه، فعن عبدِ اللّهِ بن عَمْرٍو رضي اللّهُ عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:« المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدهِ، والمهاجِرُ مَن هَجرَ ما نَهى اللّهُ عنه». صحيح البخاري: 10.